السيد حسن القبانچي
21
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
شرا ، إذن هو حر واللّه شريكه بأعماله كلها المجردة عن الغايات . الحرية الأدبية لا تفارق الإرادة أبدا ، وهي تبقى دائما في الإنسان : أي لا قوة في الكون تسلب الإنسان حريته الأدبية الموصلة إلى أسمى الغايات ، لأن الإكراه يكون للجسد فقط . فلا يجعل الإنسان يريد ما لا يريد رغما عنه « 1 » . قال فريد وجدي : « عاش الإنسان دهرا طويلا خاضعا بحكم الضرورة لرؤساء يقيمهم قادة ، ويضع حياته بين أيديهم ، ويهبهم من التعظيم والإجلال ما لا يسمح بمثله إلا للآلهة . وقد عد كثير من الأمم ملوكهم آلهة : كقدماء المصريين واليابانيين وغيرهم . ولم يزل من المتوحشين من هم على هذه الخصلة إلى الآن ، ولكن كلما ازداد رقي النوع الإنساني في مدارج العرفان ، زاد معرفة بنفسه ، وأنفة من أن ينقاد في أيدي طائفة من بني نوعه كما تنقاد الأغنام ، وفزع إلى تحديد سلطة المسيطرين عليه . وفي تاريخ اليونانيين والرومانيين أمثلة من ذلك . ودامت هذه المنازعة بين الحاكمين والمحكومين قرونا عديدة ، كان المستبدون يتلونون فيها للأمم بألوان شتى تارة باسم الحكومة ، وطورا باسم الدين . وكان ذلك كله وبالا على الإنسان وقتلا لأشرف خصائصه . وظل هذا التدافع بين الطرفين على أقصى حالاته ، حتى جاءت الديانة الإسلامية فأنزلت الأعلين إلى مستوى العامة بقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ « 2 » وبقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 3 » . وبقوله ( عليه الصلاة والسّلام ) : « ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذاته الأسوة الحسنة في ذلك ، فكان يشاور أصحابه في الأمر ويعمل بإشارتهم ولا يقطع دونهم حكما إلا وحيا « 4 » فتربوا على ذلك . . . ثم بعده حصلت فتن قلبت الأمر ملكا على النحو الشائع في العالم ، إذ ذاك بالوراثة والتغلب ، فعمل الملوك على قتل عواطف الأمة بالرشوة بالمال وبالجور والإخافة ، بكل وسيلة ، فسار العالم كله على هذه السيرة المظلمة ، حتى هبت بعض أمم أوروبا لتحديد سلطة
--> ( 1 ) العاشر من مجلة العرفان . ( 2 ) سورة الحجرات ، الآية 10 . ( 3 ) سورة الحجرات ، الآية 13 . ( 4 ) فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أجل وأرفع شأنا من أن يعمل بإشارتهم ، فكان هو وحده صاحب الرأي المصيب ، فهو دائما وأبدا في كل أحواله وأعماله يعمل برأيه ، وما هو إلا أنه كان يتألفهم ويجمعهم ويعلمهم بذلك . -